"خمسة ونص" تكنيك عال وحرفية غير مألوفة

15-May-2019

نادين نسيب نجيم بارعة في اهتمامها بالتفاصيل وقصي خولي في أفضل أدواره

 

في الصراع بين المجد السياسي والحقد الاجتماعي

يحصد المسلسل اللبناني السوري "خمسة ونص" أصداء مميزة، عبر عرضه على فضائيات عدة، لاعتماده على قصة عامرة بالإثارة والتشويق، وإخراج رائع يقوده الشاب فيليب أسمر وتكنيك عالي المستوى، ما يؤكد أن المؤلفة إيمان سعيد صاغت السيناريو بحرفية شديدة، وظهر ذلك جليا منذ المشاهد الأولى للعمل من خلال ربطها الأحداث السياسية والاجتماعية، التي لها علاقة مباشرة بالشخصيات المحورية في العمل.

 المسلسل يلعب بطولته مجموعة بارزة من النجوم منهم نادين نسيب نجيم، قصي خولي، رفيق علي أحمد، معتصم النهار، سينتيا صموئيل، قاسم منصور، جوليان فرحات وسواهم.

"خمسة ونص" دراما اجتماعية تكسر المألوف وتبتعد عن التقليدية منذ المشهد الأول من خلال الحادث المروع، الذي قتل فيه نجل وزير وزعيم سياسي، كان يعد هذا الابن من أجل ان يخلفه في عالم السياسة ويكون الواجهة أمام خصومه السياسيين، لكن القدر كان هو الأقوى ليرحل الشبل السياسي لعائلة غانم الغانم قبل ان يدخل المعترك، هذا الحدث كان له دور كبير في أن يبحث الوزير الغانم عن نجله الأكبر غمار، الذي أبعده الى الشام بعد وفاة والدته وكان ذلك بناء على رغبة زوجة الغانم الثانية، التي فجعت هي الأخرى بوفاة ولدها، جاء غمار إلى بيروت ودخل قصر والده لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان شقيقه، الذي لم يشاهده ولم يكن بينهما ثمة علاقة، أتى غمار من الشام وهو ناقم على والده الذي يشكك دائما في أن والدته قد قتلت، جاء ناقما على ابعاده ونفيه وهو في سن مبكرة، لكن عائلة الغانم لم يعد لديها سوى غمار ليكمل المسيرة السياسية في ظل معاناة الوزير من مرض عضال ما زال سرا بينه وبين الدكتورة بيان، وهي الشخصية التي تجسدها نادين نسيب نجيم.

غمار الغانم هذا الشاب الذي توسل لوالده حتى لا يبعده عنه في صباه، الآن تعرض عليه التركة السياسية بالكامل ليصبح هو واجهة عائلة الغانم في الحزب والسياسة، ويواجه صراعات كثيرة خلال المرحلة المقبلة في ظل وجود شبهات قوية في اغتيال شقيقه في حادث دبره خصوم والده السياسيين، وكذلك في علاقته مع د.بيان الطبيبة الخاصة بالوزير الغانم والذي شاهدها غمار تأتي الى القصر وسألها عن علاقتها بصحة ابيه، خصوصا انها متخصصة في الأورام السرطانية وأمراض الدم، لكنها أخفت عنه الحقيقة وقالت إن الوزير يعاني من ارهاق فقط. غموض وحالة ترقب وإثارة تغلف العمل تدفع المشاهد لمتابعته كما أنه يلمس جودة العمل منذ بداية "التتر"، فالمخرج أسمر قدم "كليب" المقدمة بطريقة رائعة وجعله بالأبيض والأسود من غناء شيرين عبدالوهاب وهو كليب مليء بالمشاعر والأحاسيس، ورغم أن شيرين تؤديه باللهجة اللبنانية الا انها اجادت فيه بشكل كبير. كما أن الصراع الدرامي الذي حمل ملامح سياسية واجتماعية مثيرة يزداد سخونة مع مرور الحلقات، فالمؤلفة إيمان سعيد واضح أنها قرأت الساحة اللبنانية جيدا ووظفت قلمها بشكل محترف، وتقدم في كل حلقة أحداثا تحتاج الى تفسيرات كثيرة وكانت ذكية في اسقاطها لبعض المشاهد، لاسيما أن كل مصيبة تحدث لأي سياسي يجتمع عنده أهل السياسة ثم يقال من الجميع بما في ذلك الإعلام بأن "الساسة تناسوا خلافاتهم واجتمعوا في العزاء"، وقد تكررت هذه العبارة اكثر من مرة خلال الحلقة الثانية، في الوقت الذي ظهرت فيه الوجوه في الكاميرا وهي تكيد لبعضها البعض مكائد، والأمر الجميل أن الفنان الكبير رفيق علي أحمد يجسد دور الغانم ببراعة شديدة وكأنه يعيش في بلاط السياسة منذ نعومة أظفاره.

على الجانب الآخر تخوض د.بيان في صراع من نوع آخر مع شركائها بالمستشفى، الذين يضعوا امامها العراقيل من أجل بيع حصتها في المستشفى التي ورثتها عن ابيها، ويبقى التشويق مستمرا مع قصة حب تنمو بين غمار الغانم ود.بيان ومجد السلطة والمال وحقد الصراعات السياسية التي سيشاهدها الجمهور في الحلقات المقبلة.

يبقى في النهاية أن هناك نضجا كبيرا في أداء قصي خولي، فهو ينتقل من مرحلة الى أخرى وكأنه يعيش في بيت هذه العائلة السياسية، فكل حركة يقدمها امام الكاميرا تؤكد أنها امتلك ادوات الشخصية، في المقابل تثبت نادين نسيب نجيم تميزها عبر معايشتها التامة لتفاصيل شخصية الطبيبة بيان وسيكون لها شأن كبير خلال المرحلة المقبلة في الدراما العربية قاطبة، فهي لم تعتمد قط على جمالها في الظهور بل بدت اكثر بساطة واهتمت بأدق تفاصيل الشخصية واستخدام لغة الطب ومهام الطبيب الحقيقية على الشاشة وهذا مكمن نجاحها الدائم، اما معتصم النهار فهو صندوق أسرار غمار والشخص المقرب منه وسيكون له تأثير كبير حينما يتسلم غمار المهمة ويزداد الصراع بينهما في الحلقات المقبلة.