فرط الثقة تؤذي الآخرين بالنرجسية

06-January-2019

أصحابها يميلون إلى الخداع والفشل حليفهم

 

لا ضير في أن يعتبر الشاب نفسه مميزاً، لكن إذا تملكه الاعتقاد بأنه أفضل من الآخرين عليه التوقف فوراً. فمن يتمتعون بثقة زائدة قد يطورونها في نواح مختلفة تقودهم إلى الاستعلاء الذي يترجم بتصرفات تدعمها النزعة النرجسية.

تتسم الشخصيات التي لديها هذه النزعة بالأنانية وحب الذات ولا تعرف للتواضع طريقاً ولا تكترث لمشاعر الآخرين، فأصحابها غالباً ماديون يسعون للتملك والتسلط.

 

تظهر الثقة الزائدة لدى الصغار عندما يعتمدون سلوكاً معادياً للمجتمع، سواء بالسخرية من الآخرين أو التصرف بطريقة عدائية دون أسباب، أو عدم تقدير الآخرين وتجاهل الآثار السلبية التي يمكن أن تلحق بهم، ما يؤكد عدم إدراكهم أن أفعالهم وتصرفاتهم الأنانية لها أثر بالغ في نفوس المحيطين بهم، لذلك وجب التوقف ومعالجة هذه التصرفات قبل فوات الأوان.

مفارقات

 

تسبب الثقة الزائدة بالنفس ضرراً كبيراً بصاحبها، وقد أثبتت الدراسات أن هناك صلة واضحة بين الثقة المفرطة والاستيعاب البطيء عند القراءة الذي يعد عنصراً مهماً في العملية التعليمية وتطوير المهارات، وأن الأولاد الذين يتمتعون بثقة زائدة بأنفسهم لا يحسنون تقييم نقاط قوتهم وضعفهم بالشكل الصحيح، فأحياناً يختارون كتاباً صعباً يظنون أنهم قادرون على قراءته، وسرعان ما يتوقفون عند الصفحات الأولى، في حين أن الأطفال الذين يدركون حقيقة قدراتهم ويختارون أسهل الكتب يقرأوونها دون توقف، متطلعين إلى قراءة كتاب آخر، ما يزيد قدرتهم على الاستيعاب بشكل سريع وتوسيع مداركهم وتعزيز أفكارهم التي تقودهم إلى النجاح.

 

مبالغة

 

كذلك المراهقون الذين يبالغون في الثقة بأنفسهم ويعتقدون أنهم متفوقون، يفاجأون عند التجربة أن النتيجة فشل ذريع، فهم يظنون أنهم قادرون على تقديم الأفضل لأنهم يمتلكون ذكاء أكثر من أقرانهم، ولا يقف الفشل في المناحي العلمية، وإنما يلحقهم في الحياة الاجتماعية، لأن طبيعة العلاقات التي يقيمونها تستند إلى نزعة نرجسية وفوقية في التعامل، وهي سبب رئيسي في فشل أي علاقة مع الآخرين، كما أنهم يفتقدون العاطفة والحنان، ويميلون إلى الخداع والكذب والتسلط والاستبداد.

ولا تتوقف مساوئ الثقة الزائدة عند هذا الحد، بل يمكن أن يعاني أصحابها من الفشل حتى في حياتهم العملية، لأنهم يفتقرون إلى المهارات المهنية الأساسية التي تظهر في الاجتهاد والسعي إلى التقدم والارتقاء، وقبول النقد بصدر رحب والتعاطف مع الآخرين، كما أنهم يميلون إلى وضع أهداف خيالية تتجاوز قدراتهم الحقيقية، ظناً بقدرتهم على إنجازها، لكنهم أخيراً يجدون أنفسهم ضحية أفكارهم الوهمية.

وعلى الآباء والأمهات معرفة أن نتيجة فرط الثقة لدى الطفل في الصغر لا تحمد عقباها في الكبر، وحتى يتجنب الأهل ذلك عليهم تعليم طفلهم التعاطف مع الأصدقاء في حال كان قاسياً في تعامله، وعدم تأييده إذا قام بفعل يؤذي مشاعر المحيطين به، إلى أن يعرف كيف يختار الطريقة المثلى في التعاطي مع الآخرين بعيداً عن خدش مشاعرهم، وأن يعامل الجميع كما يحب أن يعاملوه، ولا يأتي ذلك صدفة إنما بإشراكه في العادات اليومية التي يمارسها الأهل وإخضاعه إلى تجربة التعامل مع الآخرين بلطف وإحسان ومقارنتها بالمعاملة الفظة التي اعتاد عليها.

وإذا نفذ الطفل المطلوب منه بالطريقة الصحيحة، يجب عدم المبالغة في مدحه لأنه سيصبح شخصاً انتهازياً ينتظر المقابل عند قيامه بالفعل الحسن، ما يولّد لديه حبّ التملك واستحقاق الحصول على كل شيء.

 

مهارات

 

يدرك الطفل الواثق من نفسه أن لديه مهارات ومؤهلات تجعله قادراً على القيام بكل ما يُطلب منه، فعندما يتعلم المشي ويبدأ خطواته المتعثرة، يحاول جاهداً النهوض ليقع مرة أخرى، ويستمر بالمحاولة حتى يتمكن من السير، وهذا الأمر يتكرر في كل مرة يحاول فيها تعلم مهارة جديدة تحتاج إلى قراءة، ما يطور ثقته بنفسه بناء على مهاراته وقدراته وليس المبالغة في الإطراء.

وحتى يحظى الطفل بصحة نفسية سليمة تمكنه من التعايش والتعامل مع الآخرين بود وتسامح، يجب على الآباء والأمهات تعليم الطفل الذي يعاني الثقة الزائدة أن هناك حدوداً يجب عدم تجاوزها، فالطلاق أو الظروف الصعبة التي قد يمر بها الأبوان تجعلهما يميلان إلى تلبية كل ما يريده الطفل من أجل تخفيف العبء النفسي الذي يلاحقهما تجاهه، وهو خطأ يزيد حالته سوءاً ويجعله متخبطاً غير مسؤول ينتظر من الآخرين القيام بمهامه.

لذا يجب أن يخوض الطفل جميع التجارب بنفسه، ولا بأس إن فشل فيها، لأن الفشل سيدفعه إلى إلاصرار على النجاح، وإن أخفق في إنجاز واجبه الدراسي لا يجوز لوم المدرسة بل توجيه اللوم له لعدم قدرته على استيعاب الدروس، وحضّه على التعلم من كل فشل يقع فيه أو أي ملاحظة توجه إليه، فهذه الملاحظات تشكل دافعاً كبيراً لتخطيه الصعاب والتحديات.

وحتى يتخلص الطفل من غروره يجب مساعدته بالإصغاء إليه والالتفات إلى العبارات التي تدل على ثقته المفرطة بنفسه والوقوف عندها ومعالجتها، بحيث يتمحور الحديث حول الأهداف غير الواقعية والمبهمة التي يتحدث عنها ويضعها لنفسه، كأن يقول مثلاً "أنا مميز وسأصبح بالتأكيد نجماً مشهوراً"، وهنا يجب توضيح أن النجومية طريقها محفوف بالصعاب وليس تحقيق الأحلام أمراً يسيراً كما يعتقد، وأن الثراء والشهرة يحتاجان عملاً شاقاً وجهداً وتضحية، ولكي يحقق الحلم لا بد أن تكون  أفعاله أبلغ من أقواله.

ومن الممكن أن يقارن الطفل نفسه بزملائه، من خلال وضع نقاط القوة والضعف لديه، فدور الأم هنا توجيه بعض الأسئلة التي تزيد من قدرته على اكتشاف مهاراته من خلال سؤال نفسه: "هل أنا أفهم الكتاب بقدر ما يفعل زملائي؟" فمثل هذه الأسئلة تساعده على تقييم ذاته ووضع أهداف واقعية تحفزه على الإنجاز وتجعل ثقته بنفسه واقعية وقائمة على أسس صحيحة.

وعند الثناء على أفعال الطفل يجب أن تكون أفعاله صادقة وبمكانها الصحيح، دون مبالغة أو تزييف، من خلال توجيه المديح إلى الوسيلة التي اتبعها لتحقيق الإنجاز، وليس التركيز على النتيجة، بالقول: "أعلم أنك لم تحصل على تقييم ممتاز، لكنني لاحظت أنك قمت بجهد جيد لإنجازه، لقد أحسنت عملاً، أنا فخور بك" •