الأمهات العازبات... وصمة عار في العالم العربي

15-March-2018

نظرة المجتمع تطاردهن.. والأطفال هم الخاسر الأكبر

العلاقة الزوجية في المجتمعات المتحضرة هي الأساس الذي تقوم عليه الأسرة الطبيعية، وفقا لما تتطلبه المقتضيات الدينية والأخلاقية والقانونية المنظمة، وهو النظام السائد في كافة دول العالم، كما أن مختلف الشرائع والديانات السماوية منحت الزواج مكانة خاصة يطبعها التقديس والاحترام.

لكن يلاحظ في السنوات الأخيرة انتشار ظاهرة "الأم العازبة" أو ما يسمى أيضا بالأمومة دون زواج، وهي مسألة غريبة عن المجتمع العربي ذو المرجعية الإسلامية التي تجعل كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة خارج إطار مؤسسة الزواج أمراً غير مقبول، ومجتمعياً تصبح المرأة مثار للشك والريبة، وتظل وصمة عار تلحقها طوال حياتها، وتجعلها تعيش واهلها تحت وطأة الضغط الاجتماعي.

 

الحمل بدون زواج في المجتمع العربي الإسلامي موسوم بالعار والفضيحة ويعاقب عليه القانون بل أكثر من ذلك يؤدي إلى محاكمة الأم الحامل قضائيا وتقصى اجتماعيا، فلا يمكن إثارة الحديث حول هذه الظاهرة التي يطلق عليها حسب المفاهيم المعتمدة في البحوث الاجتماعية اسم الأمهات العازبات.

فظاهرة الأمهات العازبات جد معقدة ومتشابكة العوامل، لأنها ترتبط بعدة مجالات قانونية، دينية وجنسية، كما تحدث في مجتمع محافظ يؤثر في الواقع الاجتماعي ولا يعترف بالأم العازبة التي تظل على الهامش.

ملح على الجرح

لاشك أن ملف الأمهات العازبات يسكب الملح على الجراح في المجتمعات العربية والرافضة حتى الان الاعتراف بالأم العازبة أو بطفلها أو الحديث علانية ومن دون حرج عن الظاهرة، لأن الأم العازبة تخترق بكل بساطة "التابو" أو المحظور الاجتماعي والأخلاقي والديني، الذي يدعو إلى المساءلة أكثر أن الأرقام التي تقدم حول عدد الأمهات العازبات في العالم العربي غير مضبوطة نظراً لعدة أسباب ترتبط بطبيعة الظاهرة وأبعادها المتشعبة وميول أصحابها إلى التستر عوضا عن الظهور.

وتقول الانثربولوجية جميلة بركاش التي أصدرت كتاباً تزيح فيه الستار عن ظاهرة رمي الأطفال وإعطائهم للتبني سراً، بأن تفاقم المشكلة سببه التحول الذي شهده الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فبالأمس كانت الفتيات يتزوجن في سن مبكرة، ولم تكن حالات الحمل غير الشرعية تمثل مشكلة كبيرة، إذ كانت تتم معالجتها عند حدوثها سراً من قبل الأمهات والخالات والعمات، حيث ترسل الفتاة الحامل في أشهر الحمل الأخيرة إلى الأقارب في منطقة بعيدة لإنجاب الطفل والتخلص منه بعد ذلك، فالمهم هو المحافظة على سرية الأمر.

أما اليوم، فقد تغيرت الظروف وأصبحت النساء يتزوجن في نهاية العشرينات، أضف إلى ذلك الأمية وانعدام الوعي، وفي هذا السياق، خلصت دراسة أعدها معهد متخصص إلى أن 42 في المئة من الأمهات العازبات أميات، أما من تابع منهن الدراسة في التعليم الأساسي فتصل نسبتهن إلى 35 في المئة، وتظل نسبة 7 في المئة فقط من الأمهات العازبات اللواتي استطعن إنهاء الدراسة الثانوية، أرقام مخيفة ويمكن أن تفسر جزءا من الظاهرة.

هوية الطفل

عندما نتحدث عن الأم العازبة، نستحضر بالضرورة طفلها الذي يظل ضحية فخ وقعت فيه أمه سواء عن طريق الخداع أو التغرير، وكانت النتيجة أنها أنجبته بنصف هوية، وعندما نتكلم عن هوية الطفل لابد من الإشارة إلى ان هذا المولود يظل محروماً من اسم أبيه طيلة حياته، لأن القانون يجرم العلاقة الجنسية التي ربطت بينهما باعتبارها غير شرعية، والمجتمع لا يعترف به وينعته بالطفل "اللقيط" أو ابن الزنا، كل هذه النعوت تعري واقع أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا بأنصاف هوية في وسط اجتماعي لا يعترف بهم.

لذلك تحاول العديد من المنظمات المحلية والدولية العناية بهم، مادام أمر وجودهم أصبح واقعاً مفروضاً ويجب التعامل معه في كل الأحوال، فالطفل يحتاج للرعاية حتى يصبح مسؤولا، لكن كيف يتحقق ذلك، وعقاب المجتمع يلازمه طيلة حياته، فهو الذي لا يتوفر على هوية أبيه ولا يحق لأمه أن تختار له اسماً قبل أن تحصل على وثيقة تثبت أنها متزوجة.

وتواجه المنظمات التي تعمل في هذا المجال مقاومة اجتماعية شديدة تحد من فعاليتها في ظل واقع مخجل، فالأرقام والمعطيات المتوفرة تشير إلى أن الفتيات اللواتي حملن بدون زواج شرعي في العالم العربي كن ضحية اغتصاب أو وعود بالزواج تبين فيما بعد أنها كاذبة، فإذا توقفنا عند إحصاءات إحدى الجمعيات في دولة عربية نجد أن 40 في المئة من الأمهات العازبات من خادمات البيوت، فكيف سيتم التعامل مع طفل خرج إلى الوجود كنتيجة لإغتصاب أو وعد كاذب بالزواج أو دعارة اضطرارية تكون فيها الفتاة مكرهة على المتاجرة بجسدها، لأنها الطريقة الوحيدة لكي تبقى على قيد الحياة؟

هل من حلول؟

 

الكاتبة مليكة نايت لشقر، الناشطة والباحثة في علم الاجتماع والدراسات الإسلامية، أصدرت كتاباً حديثاً بعنوان "الأم العازبة.. مقاربة سوسيودينية"، أكدت فيه أن "الأم العازبة من الظواهر المجتمعية الجديدة التي تحتاج إلى رؤية شرعية متوازنة قائمة على أساس الاجتهاد المنضبط بمقاصد الشريعة الإسلامية السمحة وفقه المآلات"، وأوضحت أنه "يتبين أن الأحكام الشرعية أحاطت الجنين، كيفما كان مصدره، بالعناية اللازمة، بما فيها الإحسان إلى المرأة الجانية وعدم إيذائها في صحتها النفسية أو الجسدية".

أحد الاختصايين في المجال الأسري يقترح إنشاء صندوق مالي، وتمكين الأمهات العازبات من منحة شهرية وشقة، في المجتمعات العربية وهذا سيتيح الفرصة لإسعاف هذه الأطفال والحيلولة دون انغماس أمهاتهم في المحظور مجددا، كما أن التوعية هي أفضل السبل لمثل هذه المشاكل، فيجب أن يكون هناك حوار في الأسرة تتمكن فيه المرأة من التحدث ليعرف باقي أفراد العائلة مشاكلها ويسعون لحلها قبل فوات الأوان.