باولو كويلو سر الخيمياء الأدبية

08 March 2016

روائي ألهم الناس بعزمه وعطفه وحبه للحياة

باولو كويلو سر الخيمياء الأدبية

 

لقد قرأ الناس "الخيميائي" و"الحج" و"الجبل الخامس" وأحبوا تلك الأعمال. أحبوا من قال لهم إنه من الجميل أن نحلم، ومن الضروري أن نفشل ونسقط ونشك ونبحث طويلاً وكثيراً، إنه الروائي البرازيلي باولو كويلو Paulo Coelho (66 عاماً) الذي يعرف سر الخيمياء الأدبية. وفي هذا القول الكثير من الحقيقة، إذ استطاع كويلو خلال فترة قصيرة نسبياً أن يفرض نفسه على الساحة الأدبية العالمية، وأن يغدو كاتباً مقروءاً على نحو واسع، وأن تُترجم أعماله إلى لغات عديدة جداً، والأهم من هذا كله أن تحظى كتاباته بملايين القراء والمعجبين في أنحاء العالم وأن تجد صدى في نفوس قارئيه. فهناك عدد لا يستهان به من قراء كويلو الذين شغفوا بأعالمه، بالذات كتابيه الأولين، لا يزالون تحت تأثير عالم هذا الكاتب "الحكواتي" البارع، كما أن قسماً من القراء تغيرت حيواتهم بفعل التفاعل مع كتابة وعوالم ذلك الكاتب، الذي تطرح أعماله أسئلة كثيرة وأحياناً تستفز متلقيها.

البداية من.. مستشفى مجاني  

ولد باولو كويلو في 1947 لعائلة متوسطة عائلة مكونة من مهندس وزوجته ربة المنزل في ريودي جانيرو بالبرازيل عاصمة اللهو، وشواطئ الكوباكابانا، وشراب جوز الهند، وجبل رغيف السكر. دخل مدرسة "الجيزويت" في ريو، وكان يشترك في كل مسابقات الشعر والأدب التي تقيمها المدرسة، ويكسب الجائزة دائماً. لكنه لم يكن راضياً عن عمله أو عن مستواه وأحياناً كانت أعماله تنتهي في سلة المهملات، وذات مرة أخذت أخته أحد تلك الأعمال الملقاة في القمامة وقدمتها لمسابقة المدرسة باسمها، وحصلت على الجائزة الكبرى.

منذ ذلك الزمان عرف طفل الأسرة المتوسطة مهنته الحقيقية. كان يريد أن يصير كاتباً. لكن والدي باولو كان لهما رأي آخر، كانوا يريدون له أن يصير مهندساً، وأرادا أن يخنقا رغبته في أن يكرس حياته للأدب، ما أدى إلى إثارة روح التمرد عند باولو، وبدأ في خرق القواعد المرعية في العائلة. فرأى أبوه في ذلك السلوك علامة من علامات الجنون والمرض العقلي وعندما بلغ باولو السابعة عشرة من عمره كان أبوه قد أودعه المصحة العقلية مرتين وهناك تعرض باولو لعدة جلسات من العلاج بالصدمة الكهربائية، ثم التحق باولو الشاب بمجموعة مسرحية، وبدأ في العمل كصحافي، رأى أبواه الكاثوليكيان في ذلك أمراً شائنًا؛ فالمسرح في نظر الطبقة المتوسطة في ذلك الوقت كان بؤرة الفساد والانحلال. ومن ثم أصر أبواه المرعوبان على إدخاله المصحة أكثر من مرة، ربما ثلاثة، ضاربين عرض الحائط بكل وعودهما له. وعندما خرج باولو كان ضياعه أشد. وفي محاولة يائسة أخذته الأسرة لطبيب نفسي جديد قال لهم: "باولو ليس مجنوناً، ويجب عدم إدخاله مصحة، بل عليه ببساطة أن يتعلم كيف يواجه الحياة".

 

الحياة.. من جديد

بعد فترة التمرد تلك في منتصف الستينيات عاد باولو الشاب لدراسته، وبدا أنه قد بدأ في "اتباع الطريق المستقيم" الذي يريده أبواه له. لكن بعد فترة ليست طويلة ترك الدراسة مرة أخرى وعاد للمسرح. كان ذلك زمن حركة التمرد الشبابي العالمية المعروفة بحركة "الهيبز". كانت البرازيل في ذلك الوقت ترزح تحت وطأة حكم عسكري فاشي خانق. ربى باولو شعره وأقسم ألا يحمل هوية، وأخذ في تعاطي المخدرات، كان يريد أن يحيا تجربة الهيبز كاملة. بدأ أيضاً في إصدار مجلة صدر منها عددان، ثم دعاه الموسيقي والمؤلف راوؤل سيشاس ليكتب كلمات أغنياته، ومن ثم بدأت شراكة استمرت حتى عام 1976. حقق ألبومهما الثاني نجاحاً ساحقاً وكتب باولو أكثر من 60 أغنية مع سيشاس، ومعاً غيرا وجه موسيقى "الروك" البرازيلية. في 1973 اشترك الاثنان في تأسيس "الجمعية البديلة "Alternative Society وهي منظمة تعارض الأيديولوجية الرأسمالية، وتدافع عن حقوق الفرد في فعل ما يريده أو ما تريده وأيضاً تمارس السحر الأسود.

وصف باولو تلك التجارب فيما بعد في كتابه "الفالكيري"، والفالكيري هي جنيات "فالهالا" التي تعد جنية محاربي الفايكنغ، أو النسوة المحاربات اللواتي يستقبلن المحاربين القتلى. بعدها تعاون باولو وسيشاس معاً لإصدار مجلة كرينج ها  Kring-ha وهي مجلة مصورة على غرار سوبرمان وميكي وغيرهما من المجلات الكارتونية، وكانت المجلة تدعو لمزيد من الحريات، فقامت السلطات بمصادرة المجلة واعتقالهما. سرعان ما أطلقوا سراح راوؤل لكن باولو استمر في السجن لفترة أطول، حيث كانوا يظنون أنه الرأس المدبر وراء المجلة الساخرة. واستمر في المعتقل عدة أيام، ويعتقد باولو أنه قد أفلت بعمره فقط عندما أخبرهم أنه مجنون، وأنه قد دخل المصحة العقلية عدة مرات وبعدئذ أطلقوا سراحه.

وابتسمت الحياة

عندما بلغ باولو السادسة والعشرين من عمره قرر أنه قد خاض تجارب كثيرة في الحياة، وأنه يريد أن يصير "سويا" فحصل على وظيفة في شركة تسجيلات اسمها "بوليغرام" حيث التقى بالمرأة التي صارت زوجته فيما بعد. أما في العام 1977 ارتحل باولو وزوجته إلى لندن، حيث اشترى آلة كاتبة، وبدأ في الكتابة دون نجاح يذكر. وفي العام التالي عاد للبرازيل، حيث عمل كمدير لشركة تسجيلات أخرى هي  CBS، واستمر ذلك لمدة 3 أشهر فقط بعدئذ انفصل عن زوجته، وترك العمل. والتقى باولو في العام 1979 صديقة قديمة هي كريستيا أوبتنشيكا التي تزوجها فيما بعد، واستمر معها إلى اليوم. وفي 1986 أكمل كويلو رحلة الحج إلى ساينتاغو دي كومبو ستيلا في شمال أسبانيا بدءاً من فرنسا، وهي رحلة الحج المسيحية التي بدأت في القرون الوسطى لزيارة الكاتدرائية الكبيرة في شمال أسبانيا.. تلك الرحلة التي أتمها كويلو بعد مشورة مع صديقه "ج" الذي يسميه "الأستاذ" وكتب عنه في "يوميات محارب النور" كتابه الذي صدر في منتصف التسعينيات.

وكتب كويلو في العام 1987 أول كتبه "الحج"، وكان عنوانه الجانبي "يوميات ساحر" يحكي الكتاب تجربة باولو أثناء رحلة الحج واكتشافه أن المدهش والخارق للعادة يحدث يومياً في حياة البشر العاديين. بينما كتب في العام 1988 كتاباً آخر مختلفاً تماماً "الخيميائي" الذي ترجم للعربية باسم "ساحر الصحراء"، حيث أخذ يحكي جزءاً من تجاربه في الأحد عشر عاماً التي قضاها في دراسة الكيمياء. وخلال بضعة أعوام باع "الخيميائي" نسخًا أكثر من أي كتاب آخر في تاريخ البرازيل. وترجم إلى أكثر من 56 لغة، وطبع في 150 بلداً.

 

الحلم.. على عتبة الدار

جاءت التسعينيات لباولو محملة بالنجاح والشهرة والنجومية. بلغ عدد عشاق أدبه الملايين من كل أنحاء المعمورة، ومن بينهم نجوم في مجالات مختلفة وذوو ذوق مختلف وكلهم يعشقون أدبه ويمجدون كتاباته. ومن عشاقه المختلفين مادونا، جوليا روبرتس والفيلسوف والروائي الإيطالي الكبير أمبرتو إكو. كلهم تحدثوا عن أثر "الخيميائي" فيهم، وقالوا عن الكتاب: "إنه كتاب جميل عن سحر الحلم والكنوز التي نبحث عنها في مكان آخر وبعدئذ نجدها على عتبة دارنا" وفق تعبير مادونا -في مقابلة مع مجلة سونتاج- أكتيويل، وقد اشترت شركة وارنر حقوق تحويل الرواية لفيلم عام 1993، ولكنها لم تنتجه للآن لعدم رضا المنتجين عن أي سيناريو قدم لهم.

"بريدا"، "على ضفاف نهر بييدرو جلست وبكيت"، "الجبل الخامس"، "يوميات محارب النور"، "فيرونيكا تقرر أن تموت" تلك عناوين أعماله التي ظهرت في التسعينيات، وكلها حققت نفس نجاح الخيميائي. وزار باولو العديد من بلدان آسيا وأوروبا والأمريكتين. وفي مايو 2000 كان أول كاتب غير مسلم يقوم بزيارة رسمية للجمهورية الإسلامية في إيران منذ الثورة عام 1979. وقال عن تلك الزيارة: "لقد تلقيت حباً وحفاوة شديدين، لكن الأهم أني وجدت فهماً لأعمالي أذهلني وهزني من الأعماق. لقد وصلت روحي قبل وصول ذاتي، كانت كتبي حاضرة ووجدت أصدقاء قدامى لم أقابلهم من قبل. إنها تجربة عميقة، ولقد ملأت روحي بالحب والحياة. أحسست أن الحوار ممكن مع كل البشر في كل أرجائه البسيطة، هذا ما رأيته في إيران". كما ظهر في سبتمبر 2000 إلى الوجود العلني معهد باولو كويلو بعد تأسيسه عام 1996، ويوفر المعهد الدعم المادي للفقراء في البرازيل ويرعاهم خاصة الأطفال والعجزة. ولقدراته الفائقة في التعبير عن الرسالة الإنسانية ولأسلوبه الذي يولد لدى القراء القدرة على الحلم ويحثهم على البحث عبر وحدة الهدف، ومن خلال حضارات متنوعة حصل كويلو على جوائز عديدة مرموقة من بينها "فارس الفنون والآداب" من فرنسا، وعين مستشاراً فوق العادة لبرنامج اليونسكو المسمى "التفاعل الروحي والحوار بين الحضارات". كما حصل على جائزة BAMBI 2001، وهي أقدم وأهم جائزة أدبية في ألمانيا. وفي يوليو 2002 انتخب كويلو ليحتل المقعد رقم 21 في الأكاديمية البرازيلية للآداب، حيث ألقى خطاباً مدح فيه الحلم والإيمان، وختمه قائلاً: "إن حصولي على ذلك الشرف كان حلماً آخر لم أرد أن أتخلى عنه".

 

 

مبيعات

باع كويلو أكثر من 75 مليون كتاب حتى الآن، وقد أعتبر أعلى الكتاب مبيعاً بروايته "11 دقيقة"، حتى قبل أن تطرح في الولايات المتحدة أو اليابان، و10 بلدان أخرى. واحتلت "الزهير" 2005 المركز الثالث في توزيع الكتب عالمياً وذالك بعد كتابي دان براون "شيفرة دا فينشي" و"ملائكة وشياطين" وتعد "الخيميائي" ظاهرة في عالم الكتابة، فقد وصلت إلى أعلى المبيعات في 18 دولة، وترجمت إلى 62 لغة وباعت 30 مليون نسخة في 150 دولة، وقد تم وضع رسومات مصاحبة للنص بواسطة الفرنسي " موابيو" الذي صمم مناظر أفلام "العنصر الخامس"، "إيليان".

أعماله:

·       حاج كومبوستيلا

·       الخيميائي

·       بريدا - 1990

·       فالكيريس "فتيات فالكيري" - 1992

·       على نهر بيدرا جلست وبكيت - 1994

·       مكتوب (مجموعة قصص وأشعار كانت قد نشرت في الصحف) تحميل من الموقع الرسمي بالانجليزية1994

·       إتمامة النصوص الجملية - 1995

·       الجبل الخامس - 1996

·       دليل محاربي الضوء - 1997

·       فيرونيكا تقرر أن تموت - 1998

·       الشيطان والسيدة بريم - 2000

·       قصص للآباء والأبناء والأحفاد " مجموعة من الحكايات الشعبية " - :تحميل من الموقع الرسمي بالانجليزية2001

·       إحدى عشرة دقيقة - 2003

·       الزهير - 2005

·       كالنهر الجاري - 2006

·       ساحرة بورتوبيلو - 2006

·       الرابح يبقى وحيداً-   2008

·       ألف - 2010

·       مخطوطة وجدت في عكرا-   2013


حياة باولو كويلو في فيلم سينمائي جديد

وصلت حياة باولو كويلو إلى الشاشة الكبيرة على أيدي المخرج دانييل أوغوستو في فيلم يشارك في بطولته الإسبانيان باز بيغا وناتشو نوفو. وجرى تصوير المشاهد الاولى من فيلم "الحاج.. أفضل قصة لباولو كويلو" الذي يصف حياة الكاتب، في ريو دي جانيرو ويتواصل في كامينو دي سانتياغو ليختتم في كومبوستيلا.

 

ويشارك ايضاً في الفيلم الممثلون البرازيليون جوليو اندرادي ورافيل اندرادي وفابيانا جولي. ويتناول الفيلم حياة كويلو في إنتاج إسباني برازيلي مشترك. كما يتناول الفيلم بعداً جديداً عن حياة ذلك المفكر بعيداً عن مسيرته التي جعلته أحد الاسماء الادبية الأهم في العالم.

 

اقتباسات وأقوال

·       أكبر أخطاء الإنسان هي أن يظن أنه لا يستحق الخير والشر الذي يصيبه.

·       الانتظار مؤلم والنسيان مؤلم أيضاً، لكن معرفة أيهما تفعل هو أسوأ أنواع المعاناة.

·       روح العالم في حاجة ماسة إلى سعادتك.

·       يجب أن نخاطر، فلن نستوعب معجزة الحياة إلا إذا سمحنا لغير المنتظر بالحدوث.

·       قد يودي بنا الحب إلى النار أو الجنة، لكنه يودى بنا حتماً إلى مكان ما.

·       من بين كل أسلحة الدمار التي اخترعها الانسان يبقى الكلام السلاح الأخطر والأقوى.

·       نحن البشر، نعاني مشكلتين كبيرتين : الأولى، أن نعرف متى نبدأ، والثانية، أن نعرف متى نتوقف.